الأطفال هم نقطة الانطلاق لتكوين جيل معطاء


أَوْلى كثيرٌ من علماء التربية الأطفالَ كبيرَ عنايتهم مِن خلال ما صاغوه مِن نظريات علميَّة مرتبِطة بعالَم الطفل ارتباطًا وثيقًا؛ إيمانًا منهم بأهمية هذه المرحلة مِن عمر الإنسان، لا سِيَّما وهي المرحلةُ التي لها دورها المهمُّ في تشكيل شخصية الإنسان، ورسْم ملامحها، وهم مشكورون في ذلك؛ لِمَا خصَّصوا من عطائهم وفِكرهم، وجهدهم ووقتهم لهذه الفِئة الغالية على الإنسانية جمعاء.

ولَعلَّ هذه السطورَ المتواضِعة تكون إضافةً لِمَا كُتِب في هذا المجال الجميل، والحقل البديع، وإنْ كانت ثقافةُ المجتمعات المختلفة، وطرائق العِيشة المتباينة هي مَن تُوجِّه دفَّة الكتابة عن هذه الفئة، فليس الطِّفل في بلادنا الحبيبة كالطِّفل في اليابان، والذي يختلف عن الطفل في الأرجنتين، وإنْ كانتْ هناك نظريات تربويةٌ عامَّة مفيدة ونافعة لعمومِ الأطفال، ولكن تبقى للمجتمعات خصوصيتُها، وقد أعْطى الإسلام الطفلَ عنايةً خاصة، وأمر بضرورة المحافظة عليه منذُ أن كان جنينًا في رَحِم أمه، وبعدَ ولادته، واختيار اسْمه، ورِعايته والمحافظة عليه، وغيرها.

والأطفال بحاجةٍ إلى فنٍّ في التعامل لا يُتقنه إلا مَن عرفوا معنى الرحمة، وأدركوا كُنه المسؤولية، ومن الأمور الضروريَّة في التعامل مع الطفل أن ندعَه يُقرِّر، ثم نتركه ينفِّذ قراراته، وليتحملْ بعدها نتائج تلك القرارات، وهذا يحمِلُنا على أن نخبر الطفل بأنَّه يستطيع أن يفعلَ دون أن نجعلَه يعتمد علينا دائمًا مع عدمِ بُخلنا عن توجيهه.

ومن المهم جدًّا أن نجعل أطفالنا يتصرَّفون بسجيَّتِهم وطبيعتهم دون أن نُكثِر من زَجرهم ولومهم والصُّراخ عليهم، ومِن هنا يُعاب على بعض الآباء والأمهات الذين يُعلِّمون أطفالهم الانتقامَ، ظانِّين بأنَّ الانتقام هو الانتصار، مُتناسين بأنَّ الشجاعة قد تكون تهورًا أحيانًا، والأفضل أن نجعلَ أطفالنا أقوياءَ في تسامح، وجَسورين في تصالُح، ولا ننسى بأن نُعزِّز في نفوسهم حُبَّ الفِعل الجميل؛ وذلك بالثناء عليهم حين نراهم يقومون بكُلِّ فِعل حَسن طيب.

كما يجب أن نُعلِّمهم أشياء جميلة؛ لأنَّها هي ما سيُشكِّل شخصياتهم في كِبَرهم، وأنْ نحرِص على أن يشاهدوا لوحاتٍ بديعة، فهي ما سَيَحِنُّون إليه وهم كبار، فهؤلاء الأطفال يحملون كَمًّا هائلاً من العواطف والمشاعِر؛ ولذا هم بحاجةٍ إلينا، وبحاجة إلى أن نُربِّي فيهم كلَّ إحساس جميل، ونُذِيب عنهم كلَّ شعور قبيح، فنتبسَّمُ إذا رأيناهم حتى يشعروا بالطُّمأنينة؛ فيُقبلوا علينا، وإذا ما أَقبلوا بادرناهم بالعِناق والاحتضان، نُقَبِّلهم، ونمسح بأيدينا جلودَهم؛ حتى تنمو أحاسيسُهم، وتتغذى مشاعرهم؛ فقد ثبَتَ علميًّا أن لَمْس الجلد حياة للجلد، والجلد الذي لا يُلْمس يمرَض؛ لذا سماه البعضُ العين الثالثة، أو المخ الثاني.

وما أجملَ ما كتَبه الدكتور ميسرة طاهر ذات مرَّةٍ عن ضرورة احتضان الأطفال وعناقهم ومسْح جلودهم؛ على اعتبار أنَّ الجِلد هو مصدرُ الإحساس الرئيس في أجسادنا!

ومِن الواجب علينا أن نكونَ قريبين مِن أطفالنا بتخصيصِ أجزاء مِن أوقاتنا للجلوس معهم؛ حتى نكتشِف ما لديهم مِن مواهبَ وقُدرات، ولو كانتْ يسيرة، نتنبه إليها، فنعمل على إعلائها وإكبارها، ننزل إلى مستواهم، فنلعب معهم بكُلِّ براءة وبساطة.

وعلينا أن نُجنِّب أطفالَنا أخطاءنا، فلا نُشْرِكهم معنا فيها، كالعصبية الزائدة، فقد يسمَع الأبُ، أو تَسمع الأمُّ مِن الطفل كلمةً قبيحةً هو أصلاً قد سمِعها من الكِبار؛ لذا يجب ألاَّ يأخذنا غضبُنا إلى بعيدٍ فنتصرَّف تصرفًا يفتقد إلى الأناة والحِلْم، وهناك مِن الأمهات من تُجبِر أطفالها على السهرَ إلى قُبيل الفجر؛ مِن أجْل أن تنام وقتًا طويلاً في النهار دونما إزعاج مِن أطفالها، والطفل إذا لم ينمْ ليلاً، فمتَى ينام؟!

وهناك من الوالدَين مَن يمارس بعض العادات السيِّئة أمام الأطفال الذين يُسجِّلون عليهما كلَّ صغيرة وكبيرة تسجيلاً تبقَى معه أسئلة كثيرة حائرة تعتادهم بيْن الحين والآخَر.

إن الحِكمة هي ضالَّةُ المؤمن؛ لذا على الآباء والأمهات التعامُل مع الأطفال مِن مبدأ الحِكمة، فيحذرون الوقوعَ في الأخطاء معهم، عليهم بالرحمة، والحِرْص على تنمية أجسادِهم، والسموِّ بعقولهم، والتحليق بنفسياتهم.

والأطفال بحاجةٍ إلى مزيدٍ مِن الاهتمام من قِبل مؤسَّسات الدولة المعنيَّة بهذه الفئة، ورعايتهم مِن خلال خُططها المستقبليَّة؛ فالأطفال هم نُقطة الانطلاق لتكوين جيلٍ مِعطاء.

ويجب ألاَّ ننسَى الأطفال الأيتام في أحيائنا، ومدارسنا، وكل أماكننا، نُحسِن إليهم، ونرفُق بهم؛ إيمانًا مِنَّا بدورنا نحوَ التكافل الاجتماعي، وإحساسًا مِنَّا بإنسانيتنا التي تربَّتْ وترعرعَتْ في كنَفِ الإسلام منبعِ الرحمة والإنسانيَّة

0 التعليقات: